ماذا يحدث لو لم يعرف المرء ماذا يفعل ؟"
سيظل هذا السؤال عالقًا في ذاكرتك بعد انتهائك من هذة الرواية المؤلمة..
أعجبتني بداية من الغلاف الذي يصف الرواية بطريقة جيدة.. إلى الإسم (ضَلّ).. الذي لا أدري أكان موجه لشخصية ما أو بالأحرى لشعور.. شعور بالأمان..
"زمان" الكاتبة الموهوبة الحاصلة على جائزة لروايتها الأخيرة وتعاني من بلوك الكتابة في الوقت الحالي بدون أدنى سبب ظاهر في البداية.. إلا أنها شخصية كتومة تتصنع دائمًا كونها بخير وكونها تخطت كل حدث مؤلم في حياتها.. تعرضت لفقد والديها في حادث ما وتعاني من صدمة فقدهم.. أو هذا ما ظنته 😐🙄
تتلقى يوما رسائل من مجهول من شخص يبدو أنها تعرفه وقريب منها لكنه لا يفصح عن هويته.. فقط يفصح عن مدى ألمه ويطلب منها أن تكتب عنه أو عنها لأنه يود أن يشعر بالبطولة ولو لمرة قبل أن ينهي حياته..
ومن هنا تبدأ رحلة مشاعر جنونية وآلام وعذابات لا نهاية لها.
الرواية عبارة عن صدمات وخيبات أمل تتوالى بلا رحمة على "زمان" التي لم تجد سلواها سوى في تدخين الحشيش والكتابة ..
أكيد كتابة هذا الكم من المشاعر المؤلمة لم يكن سهلًا أبدا على الكاتبة ولكنها أبدعت 👏
الصدمة..
- "هل سأبتلع قلقي كله وحدي؟!"
- "ماذا لو لم يستطع المرء إنقاذ نفسه؟ وإن لم يرد المرء إنقاذ نفسه ما الحل؟ ماذا لو أنه استسلم لفكرة انهياره ودماره! ماذا لو أنه يشعر أن لا شيء يفيد؟!"
- " ما الحل إذن إن كان الفقد حقيقة لا هروب منها؟"
-"كيف يتجاوزه المرء حتى لا تتدمر حياته ؟ حتى لا يصبح شخصًا كئيبًا مهزومًا مهما تظاهر بالعكس؟"
-" كيف يعيد ترميم الخراب الذي يحدث بعد الفقد؟ "
-" كيف يفر المرء من نفسه! "
~كل هذة الأسئلة بلا إجابات تقابلك أثناء قرائتك للرواية.. من منا لم يسأل نفسه ولو سؤالًا واحدًا من هذة الأسئلة.. بحث الإنسان المستمر عن الإجابات دون وعيه بالثمن الذي عليه دفعه للمعرفة..
ولمَ يبحث الانسان عن إجابات لن تريحه.. لماذا يبحث الإنسان عن عذابه.. أتختار المعرفة والألم المصاحب لها أم رفاهية الجهل؟
الواقع ليس بالبساطة التي نظنها.. نسعى لشيء ما يعطينا الراحة ولكننا نُصدم بآلام جديدة.
" هكذا يستحيل انتزاع الكتابة من داخلها، ليس لأنه الفعل الوحيد الذي تلجأ له ليبقيها على قيد الحياة ولكن لأنه مثل الأكسجين تمامًا. بلا أي إرادة منها أبدًا تتنفسه. هو الشيء الذي يبقيها على قيد الحياة فعلًا حتى لو لم تلجأ له.. إنه يفعل ذلك بدون إرادة منها أو رغبة. "
-كانت الكتابة بالنسبة ل" زمان" وسيلة دفاع عن نفسها.. وسيلة بقاء.. مثل حل أخير تتعلق به كالقشة في وسط البحر.. كانت بمثابة الدافع للحياة والمتنفس الذي أبقاها حية رغم ما تعرضت له من صدمات.. حتى صارت الكتابة فعلا ضروريًا كالتنفس.
" الوحدة تؤذي الجميع مهما كان، ولا أحد ينجو من وحشتها وألمها"
"لا أحد يحب الوحدة حتى لو تظاهر بعكس ذلك، لا أحد يحب أن يستيقظ في بيت كله صمت، ويعود إلى نفس البيت بنفس الصمت، وينام في صمت، يأكل وحده، يشاهد التلفاز وحده، يسقط في مشاكله وحده، وينجو منها وحده، يستند على جدار صامت ويتكئ على ذاته كل مرة."
-الوحدة مؤلمة وإن اخترتها بإرادتك.. فما بالك بمن فُرضت عليه فرضًا!
" زمان" خسرت كل شيء في حياتها.. كل ما كانت ترغب به يوما ذهب بلا عودة.. بل تشوه لدرجة تجعل من المستحيل العودة للبحث عن ما فُقد منها..
خسارتها لأقرب الأقربين صدمتها فيهم ..
الأكثر ألمًا أن تفقد إنسانًا وهو ما زال على قيد الحياة.. أن تخسره بأبشع طريقة.. تخسره مُخلفًا وراءه ألمًا لا تقدر على مقاومته فقط تتحايل عليه.. أن تعاني من الوحدة مع إدراكك أنه لا يوجد مخرج لك منها.
" الصورة ويسمعون ما خلف الصوت، ويفهمون ما خلف المزاح وحدهم الأصدقاء لا يصدّقون ما يقال، بل يجب أن يصلوا لكل ما لا يقال. وإلا كيف يكونون أصدقاء!"
-ربما كانت الإيجابية الوحيدة في حياة "زمان" أنها وجدت أصدقاءً داعمين لها.. كانوا لها سندًا وحاولوا مساعدتها بشتى الطرق.. أصدقاء رغم وحدتها وما تمر به كانت ممتنة لهم و لوجودهم في حياتها.
ربما كانوا لها سببًا للبقاء...
" لقد سقطت في الحزن وحدي، انكمشت، تكوّمت على نفسي في فراشي وتمنيت لو يبتلعني، ضممت نفسي بذراعي فعرفت معنى أن تحزن وحدك، فتُضاعف الوحدة حزنك، لم أرد وقتها إلا أن أهرب من قسوة الحزن التي تعتقلني."
"هل تعرفين كم هو صعب كبت الألم، التظاهر بأن كل شيء بخير؟"
-أن تسقط في هوة الحزن وتدرك أنه لا سبيل للخروج منها.. تعاني ولكن كل مايظهر عليك أنك تخطيت.. أنك قوي.. ان الأمور بخير..
أن تتظاهر والألم ينخر قلبك ويأكلك حيًا..
كل مرة تفاجئني قدرة الإنسان على دفن نفسه وسط أحزانه في حين أن مايبديه للناس يدل على أنه تناسى وأصبح خالي من الهموم..
لماذا يعذب الإنسان نفسه!
❞ لماذا يُعاقَب الأبناء دائمًا.. ولا يُسمح لنا بمعاقبة الآباء!
لماذا حرام علينا أن نأخذ حق حياتنا، بينما يباح لهم سرقة حياتنا! هل يجب أن نَهبهم حتى حق تدميرها! ❝
-لو يدرك الآباء مدى تأثيرهم على حياة أبنائهم.. كل معاناة يمر بها أي إنسان تجد الأهل السبب الرئيسي في هذة المعاناة.. تكون البداية دائمًا من هذة النقطة.. الصدمات والخيبات وفقد الشعور بالأمان والألام..
تعنت بعض الآباء بحجة أنهم يدرون الأفضل والأصح دون التفكير في السماع لأبنائهم!
دون أن ينتابهم ذرة شك أنهم ربما يكونوا مخطئين!
لو تنازل بعض الآباء عن كبريائهم وفكرة السيطرة على حياة الأبناء وحرية التصرف فيها كما لو أنها مشروع ما وليس شخص له مشاعر ورغبات ويمكن أن يتألم ويُجرح.. لو يدرون حجم الدمار الذي يخلفونه وراءهم..
سيقل عدد مرضى الاكتئاب بنسبة ملحوظة.
أعجبني تسليط الكاتبة الضوء على هذا الموضوع أكثر من غيره.
~اعتقد لو استمررت في الكتابة لن أنتهي وستطول وتطول هذة المراجعة..
رواية اجتماعية مؤلمة..
ان كنت تبحث عن نهاية سعيدة هنا فلن تجدها..
أسئلة بلا جواب.. وألم.. ومشاعر وتخبط..
لكن.. ربما تجد هنا ما يصف شعور بداخلك لا يعلمه غيرك.