لقائي مع عمر طاهر في كل كتابته من اللقاءات الأقرب للقلب والتي انتظرها دائمًا بشغف، لقاء يجذبك دائمًا لتكراره وتمني أن تكون مدته أطول في كل مرة، لقاء يجعلك تسترجع كل ذكرياتك ومشاهد من حياتك وبعض الأشخاص أيضًا، لقاء مليء بالنوستولجيا كما أقول دائمًا عن كتاباته.
في تلك المجموعة القصصية التي تحتوي على 19 قصة مختلفة تجد الأمر مختلف، على الرغم من أن عمر طاهر في تلك المجموعة لم يضع لمسة النوستولجيا التي أجدها دائمًا في كتاباته بصورة واضحة، ولكنه وضعها بكل تأكيد في التفاصيل اليومية وبيت الأهل القديم والشباك والستائر وملابس المرأة التي تقف تطبخ وكيف تهش الذباب كل شيء كان يخبرني أن عين عمر طاهر مختلفة وقناصة.
عين عمر طاهر دائمًا تبحث عن التفاصيل، يمكنه من خلال التفاصيل اليومية أن يصنع قصة متماسكة تلمس قلبك بكل سهولة، وكأن الكلمات والمشاعر تحت طوعه دائمًا، التقط المشاهد التي اقابلها في حياتي اليومية والتي يصنعها هو في قصصه باحترافية فأستطيع أن أشعر أن هذا الكاتب يعيش معنا حياتنا بكل تفاصيلها، هو كاتب (مغروس) في الواقع وتلك القصص مد يده وأخذها من داخل داخل الواقع ذاته.
القصص مختلفة وغير مترابطة ولكنك على الرغم من ذلك ستجد بينهم ترابط بشكل ما، ربما التفاصيل اليومية كما ذكرت، أو ربما في لمسة الحب الموجودة دائمًا بين الأشخاص سواء كان الزوج أو الزوجة، البنت وأبيها، البنت وأختها، الأصدقاء، الأقارب، حتى حب الأحلام والخيال، الحب بجميع أنواعه كان حاضر وبقوة في المجموعة بالكامل.
هناك قصص في المجموعة كان يمكن أن تكون وحدها قصة كبيرة يمكن أن تصل لرواية، فكانت تحكي عن حياة أبطال كاملة بطريقة سردية سريعة، وفي قصص أخرى كان يركز الكاتب على مشهد واحد في حياة الأبطال ويركز كل التفاصيل عليه، في قصص أخرى كان يركز على الأحلام والخيال مهما كان نوعه، في النهاية ستكون أمام صورة كاملة من التفاصيل التي تجذبك لإنهاء القصة حتى وأن كانت نهاية مفاجأة وسريعة وستحتاج بعدها لفهم ما الذي سيحدث مع الأبطال بعد تلك النهاية.
اسم المجموعة كان جذاب بالنسبة لي حتى أنني قلت سابقًا لنفسي إذا قرأتها سيكون (بعد ما يناموا العيال عشان يبقى اسم على مسمى) ولكن بعد قراءتها وجدت أن حتى اسماء القصص داخل المجموعة كانت بسيطة وغير متكلفة وأعتقد أن الاسم الأول الذي خطر على بال الكاتب لكل قصة كان هو اسمها وكأنه اختزن المجهود بأكمله للحالة الموجودة داخل القصة فقط.
**اقتباسات:
"أختار الأب ان يدخل عليه وهو يستند على كتفها، كانت رسالته واضحة ستأخذ يدي وقدمي"
"بدأت تنتقل بين الأحلام المعطلة والمؤجلات الصغيرة كفراشة على موعد."
"الرسائل عقيمة، تنقل الأخبار وتحتجز مشاعرها، الصمت يكون معبرًا أكثر منها أحيانًا."
"رائحته في أحضانها تشق القلب، وفي غضبه تشبه القرفة المحروقة، رائحته وهو يداعب ابنتهما تشبه رائحة المخبوزات الطازحة، لكنها الآن وعلى الرغم من الكمكمة التي تسيطر على الأتوبيس كانت تشم رائحة أحمد عندما يكون مريضًا."
"كان البكاء أمنية معلقة تبهت مع الوقت."
"أسخف ما في مشوار البلد ثرثرة الركاب؛ يتذكر الناس في المواصلات موضوعات تافهة، يضعون وقت السفر في مرتبة ضئيلة الأهمية ويختارون له النوم، أو تأمل كتب من النوعية التي تتركها خلفك على مقعدك، أو فتح كلام مع الغرباء، كلام لن يؤذيك أن تعبر فيه عن وجهة نظرك، لن يفضحك، ولن تندم عليه"
"أنقذت نفسي من مصيدة أن يعثر عليّ أحد، عانيت في الليلة الأولى من أعراض انسحابية...هربت من جحيم يبدو كأخطبوط باثنتي عشر ذراعًا تحتاج إلى معجزة للنجاة منه"
"جمال روحها يملأ الحياة شغبًا خفيف الدم، أحب عشرة هذه المرأة التي تقتفي الجاذبية أثر خطواتها السريعة."
"يتمرن يوميًا على الصبر، لكنه غير قادر على أن يسامح نفسه على ما أفسدته بسبب الحماقة والاستعجال."