الرواية عبارة عن مغامرة سردية لا تراهن فيها الكاتبة سوى على إرضاء ذاتها والكتابة بصدق، والصدق هنا مش معناه نقل الواقع أو نقل ما حدث قدر ما المقصود نقل ما تشعر به حتى لو بدا سيريالي أحيانا، الرواية عبارة عن ٤٤ فصل كل الفصول بتنتهي بتاريخ ما عدا الفصل الأول، الفصل الأول بالتحديد بعتبره عتبة كويسة وبيحمل أحد الأسئلة الأساسية للعمل، وكونه من دون تاريخ فده لأنه زمان السؤال ده ممتد على حياة البطلة سلمى من بدايات الميلاد في مدريد، للعودة في مصر والتنقل بين مناطق القاهرة المختلفة أو العودة للجذور الأصلية في صعيد مصر، السؤال ده هو سؤال الهوية، وهو بدوره منقسم ما بين اتنين سؤال ذاتي وسؤال قومي، فبنلاقي الأحداث بتقع في النمسا، لكن الإشارات للصوفية والفرعونية والقبطية لا تفارق الفصل، والسؤال القومي بيظهر لما بتزيد عليهم الإشارات للسلفية وللعودة من الخليج، والسؤال الذاتي ده بتحاول تجاوب عنه عن طريق محاولات الاكتمال، سواء بالعودة للوطن، بالعودة لذكرى الأم، بالعودة لذكرى الحبيب، بالعودة لذكرى الفلامنكو، وبالعودة لذكرى أشباح الصداقة، وبقول أشباح لأنه بالفعل لا يوجد ما يؤكد وجود نيرفانا، ربما هي شخصية تم اختلاقها، نيرفانا بالتحديد لا أراها إلا كصدى لسلمى، والنيرفانا في الحضارة الآسيوية باختصار معيب هي قتل الإنسان لرغباته ليصل إلى حالة أسمى، وربما دي محاولة إجابة تانية. الفصول قايمة على التداعي الحر، لو قولنا مذكرات على الأرجح المذكرات التاريخ بيتم كتابته في بداية كل فقرة جديدة مش نهايتها، كمان فيه سيولة زمانية ومكانية داخل كل نص، وأكتر من نص بتحصل انتقالة كبيرة في الزمن أو المكان، أحيانا ترجع سبع سنين في نفس المكان وأحيانا تنتقل من مكان خارجي لشقتها، كمان الفصول مش مترتبة زمانيًا، ننتقل من ٩٦ ل ٢٠٠٤ ل ٢٠١٩ ل ٢٠٠٦، فالأرجح إنها نصوص قايمة بذاتها مكتملة بشكل ما لكن بتجميعها جنب اخواتها بيظهر انها منقوصة، والتاريخ المكتوب هو التاريخ المقترح لحدوثها أو وقت مرور الذكرى لأول مرة وكتبته على إنه وقت كتابتها، وبتتجمع النصوص دي على شكل موزاييك وتكون الرواية.. وفيه تواريخ بعينها بيتم تحديدها باليوم.. وهي التواريخ المرتبطة بالموت والفقد من ناصر للأم لآدم لعماد لموت السلطة الأبوية لموت سلطة الحب.. الحزن دايما له جلاله، وده بيفكرني بشعر أبو العلاء "تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ فَمَا أَعْــجَبُ.. إِلَّا مِنْ رَاغِبٍ فِي ازْدِيَادِ.. إِنَّ حُزْنًا فِي سَاعَةِ الْمَوْتِ.. أَضْعَافُ سُرُورٍ فِي سَاعَةِ الْمِيلَادِ". وبما انه الرواية قايمة على الذكرى الحواس تم شحذها على طول السرد، الروايح بالتحديد وهي الأكثر ارتباطا بالذكرى كان ليها نصيب الأسد اللافندر والصندل وروايح الأكل والبخور، والأصوات والأنوار بيشعر القارىء انه مش بقرأ هو بيشارك سلمى رحلتها للماضى وبيعيشها كحاضر، بعد سلسلة من الفقد بيتم محاولات التصالح مع الفقد والألم وأشباح الماضي..
يمكن السؤال اللي بيثور لأنه بنية العمل غير تقليدية، هل العمل يمكن تصنيفه كرواية.. طبقا لموسوعة بريتانكا الرواية هي نثر سردي متخيل بطول معتبر وبتعقيد معين يتفاعل مع التجربة البشرية، غالبا عن طريقة سلسلة متصلة من الأحداث تتضمن مجموعة من الأشخاص في بيئة محددة.. فإذا هنشوف ده هنا هنلاقي معانا عدد كلمات لا يقل عن ٢٠ ألف، فيها شخصيات كتير، لكن الشخصيات الأساسية هي سلمى بالأساس، وفيه شخصيات تانية بنعرفها كويس، زي الأم والأب والخالة وجاسر، حتى الزمان لو مش خطي ممكن تحديده.. كمان الشخصية الرئيسية سلمى، بيحصل لها تغيير ما في النهاية وبتحاول تتقبل خسايرها..
الحقيقة العمل كان ممتع جدا بشكل مفاجىء وده بالنسبة لي بيكون من أهم العهود في الرواية، وبشكل مفاجىء لأني بخاف من الأعمال اللي بتعمل ضجة وقت صدورها.. والرواية برغم التمزق الزمني اللي فيها الا انها شدتني للنهاية، ومكانش فيه صعوبة اني اتابع رحلة حياة سلمى.. اللغة استخدامها كان مميز للغاية، في رأيي لغة دارجة وأقرب للغة الاستخدام اليومي، والجمل بعيدة عن الشعرية رغم انه الكاتبة شاعرة بالأساس، وده الأقرب للغة اللي الإنسان ممكن يناجي بها نفسه وهو غارق في أفكاره الذاتية أو أحلامه..