تاج شمس
Hany Elkot
بيت الحكمة
إصدار 2024
صفحة 384
⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️
☆تاج شمس بلدة معزولة عن العالم رُبما .. فالطريق بينها وبين البلاد الاخرى بعيد يمتد من مَرسى لآخر وهي بمرساها يتقدمها بيت الجليلة أعلى الربوة بكرسيها العتيق رمزاً لسلامة الوصول. يتجه إليها الجميع كمحطة دائمة للشرب من الماء والإستظلال أو التبرك ومعرفة القادم . قد تكون تاج شمس بمعزل عن العالم ولكنها هي وحدها عالم مليء بالألغاز والمكائد والشعوذة والبحث وراء الحقيقة.
☆من أول سطر تشعر بالسحر بين الحروف يخطفك لعالم عجيب تتجلى فيه الحقيقة وتندثر مرات عديدة ولا شيء مأمون فيه فما بين ليلة وأخرى دائماً ما يحدث الكثير حتى وإن كسا السكون الصورة. ولما لا وهي بلدة المعجزات فلا يحكمها إلا الغرباء مهما تعاقبت الأزمنة وتَقيّها فاجر وفاجرها صاحب كرامات وأبلهها قاتل مأجور وبحرها هائج لا أمان له يرى في نفسه يد الإله الباطشة وميتها يسير على قدمين يُعجزه السؤال والبحث وراء السر وأهلها مسافر وسفره بعيد والكل منذور للموت حتى وإن عاد منه مرة أو اثنتين وحدها الجليلة لم تتغير بكرسيها المهيب وهالتها الساطعة وكأنها خُلقت لتكون شاهدة على التاريخ بتغيره وتقلبه لا لتعيشه كما الناس.
☆على مدار الرواية تتعاقب الأجيال وبالرغم من تبدل الأشخاص إلا أن الأفعال تظل واحدة لتؤكد تصور واحد أن التاريخ يعيد نفسه. قرأت ذات يوم أن السبب في ذلك هو إيمان الناس التام بإستحالة حدوث الأمر مرة أخرى لذلك تظل المأساة قائمة ويدور التاريخ في حلقة مفرغة معاداً مزاداً بلا أي جديد نفس الظلم والتجبر ونفس الخنوع. لو تعلمت شيئاً من تاج شمس سيكون التحدث ورفض الصمت والمطالبة بالحق مهما كانت العواقب.
☆من المعروف أن صاحب الحق سلطان ولكن في تاج شمس بلدة الغرائب صاحب الحق مذل مهان يعمل ويكد ليجوع، يمتلك الدور ليُشَرد ويُسرق، ويحكم الغريب ويروع الأصيل وتُكمم فاه.
☆لكل رواية بطلها ولكن هنا لن تجد فالكل بطل حكايته والكل مؤثر من عاش طويلاً ومن فُقد في ريعان شبابه وليت أحدهم إعتبر لذلك أجد الشخصيات على تعددها أثرت فيّ كلها حتى أني بكيت كثيراً معهم وعليهم.
☆فيما يتعلق بالجانب الصوفي أو الروحاني في الرواية أحببته جداً فما بين تيه خليل وحيرته وبحثه المستمر عن السر في الحياة وكيفية العباده بالروح قبل البدن وإعمال العقل والتفكر الذي نماه لديه حب القراءة وبركات الشيخ مهدي الذي نصحه بالفهم قبل التبحر وغيرها من النصائح، وبين غرق الميت في البحث وراء الموت وكُنهه وذلك الوميض الذي يراه ولا يُخلف موعده أبداً فيظل يسير ورأه مأخوذاً به حتى يسمع الصرخة المدوية والتي تعلن أنه سبقه كالعاده؛ حتى حينما ثار وتمرد والقى بنفسه في آتون النار ليُنقذ الفتاة الصغيرة لم يجد سوى تلك البسمة المنعمة التي حصل عليها وأعلمته بالحقيقة المؤكده فما هو إلا مأمور يُطيع الخالق لا حيلة له.
☆في تاج شمس الكل منذور للوجع والغياب فهناك من يخطف وليداً، وهذه تموت في بداية عمرها كزهرة ذبلت في غفلة من الزمن، وهذا يتركه أبوه وتختفي أمه فيعيش يبحث عمره كله عن السبب، وتلك يموت أبناؤها جميعاً فتُنذر أخرهم للموت وتحتفظ بأسمه سر لها علها تحميه وغيرهم الكثير ....
☆أنفطر قلبي كثيراً خلال الرواية فلا فصل يخلو من حقيقة تنكشف أو لغز محير أو موت مباغت أو إختفاء مريب وأوجعهم على قلبي كان فراق كل من نجاة وسكينة لأحبابهما وحلم كعب الخير المُقبض وسر شرقاوية الذي لم يطويه النسيان ناهيك عن نهاية خليل المؤلمة.
☆أبدع الكاتب في وصف القرية ببيوتها وأفراحها وعاداتها حتى المكائد المدبرة على السُلطة والهمز واللمز بين الناس وطريقة إستصلاح الأرض وغيرها من الأحوال ...
☆لم أشُك لحظة وأنا اقرأ في وجود شخصيات الرواية فكلهم حقيقيون حولنا ولكن أن تتضافر هذه الشخصيات حولك لتُكون هذا العمل البديع كان مُمتع بحق وقد رسمهم الكاتب ببراعة شديدة. أكثر من جذب إنتباهي من الشخصيات كانوا قنديل بتبدل أحواله ومعجزاته، والجليلة بثباتها وصبرها على النوائب، وبحر بتقديسه لذاته ومبدأه العجيب، ورضوان الذي رغم عدم أهمية وظيفته كان دائم الوجود والأثر ناهيك عن عشقه ل كوكب وعلاقته بها وبما يحدث؛ فكرة السكوت عن الخطأ والتغاضي عنه شرط أن تُقنع نَفسك بأنه لا أحد يعلم أنك تعلم في حين أن الجميع يعلم أنك تعلم تلك المتاهة المرهقة والتي تستنزف الروح لا أعلم كيف إحتملها ولم؛ ولا أجد لصبره ومنطقه سبيل للفهم.
☆كل ذَوي السُلطة يستحقون نهايتم بدايةً من راضي وحتى آخرهم غير أني إنتظرت نهاية مختار كنوع من العدل أو الأمل البسيط ولكنها لعنة الواقعية التي أصابت الأحداث ولكني اقتنعت بها جداً للحق وأعتبرت فرحة هي الأمل في غدٍ أفضل.
☆أحببت الرمزية في كُرسي الجليلة الذي أكتسب مهابته وقوته منها على مر السنين وكأنه قطعة منها وتألمت لما حدث كثيراً وأحسست بالفقد وحينما أتت نهاية القصة مع الجليلة تنكرت لها ليس نقمة على قدر الله والله، ولكن كيف لتاريخ أن يموت من يستطيع أن يعيش بلا جدور لقد تعايشت مع الأحداث فأحسست بأن الجليلة هي جذر تاج شمس ولا أدري لما ذكرتني الجليلة ب مريم في ظلال المفاتيح ربما لتأصلهما على مر السنين وثباتهما رغم النوائب لا أدري حقاً ولكنه ذلك الشعور الخفي بالتآلف بينهما.
☆في النهاية أحببت أن أشيد باللغة والحبكة القوية التي لم تنفلت في أي موضع بالرغم من تعدد الشخصيات كما أن الرواية لم يحدد لها زمان وكأنها تجسيد لقصة البشر ماداموا أحياء.
#تاج_شمس
#هاني_القط
#بيت_الحكمة