اسم الكتاب: العطر
الكاتب: باتريك زوسكيند
عدد الصفحات: 242
..
لفترةٍ طويلة وأنا أرغب في قراءة هذه الرواية لكثرة ما نصحني الأصدقاء القرّاء بقراءتها، ولأنني كلَّ مرةٍ كنتُ أذهب فيها للمكتبة كان يلفت انتباهي عنوان الرواية المقرون بعبارة "قصة قاتل" إذ كيف من الممكن أن يجتمع كيانان متضادّان نوعًا ما كالعطر، إذ تنتابنا بعض السعادة إن شممنا عبقَ عطرٍ جميل، وقاتل، والذي لمجرد قراءة الكلمة نشعر حيالها ببعض التوجس والريبة! إلّا أن القدر كان لديه وجهة نظر أخرى حيال قراءتي للرواية، فربما كان يجعلني أؤجل قراءتها كي أتفرّغ بشكلٍ تامٍّ لقراءة محتواها العميقِ العتيق، وهذا ما حصل..
رواية العطر تعدّ الأفضل مضمونًا من ضمن أغلب الروايات التي قرأتُ، فقد تناول الكاتب فكرةً عصيّةً على الوصفِ بطريقةٍ بديعةٍ ومفصّلةٍ يكاد القارئ لا يصدّق كمّية التفاصيل الروائحية والروحية الموجودة فيها، وكأنّ من كتبها قضى عمره كلّه في تجميع كلّ تلك التفاصيل غير البسيطة..
تناول الكاتب شخصيةً غريبةً جدًا، شخصًا بلا رائحة يُدعى جان باتيست غرونوي؛ وهذا ما جعل مربّياته يرفضن إكمال تربيته ورضاعته تحت مبرر أنه شيطان وليس لديه رائحة الأطفال، إلّا أنّ هذا لم يكن يشكّل فرقًا بالنسبة لمربّيةٍ تعرضت لحادثٍ أفقدها القدرة على الشمّ.. وبالرغم من أن غرونوي لم يكن ذا رائحةٍ كبقية البشر إلّا أنه كان يستطيع تمييز جميع الروائح وفصلها إلى مكوّناتها الأوليّة وخلط الروائح والمقادير في مخيّلته، وهذا ما جعل قدرته هذه خارقة للعادة من وجهة نظر الكثيرين.. إلّا أنني مع التسلسل في أحداث الرواية شعرتُ أنّ هناكَ شيئًا ناقصًا لم يشبع عقلي، وأنّ القدرة التي تحدّث عنها الكاتب في هذا الكتاب لم تكن بالقدر المطلوب من الخارقيّة.. فمع مرور الأحداث تبيّن أنّ هناك أيضًا من العطّارين من يستطيعون تمييز الروائح ومعرفة أغلب مكوّناتها الأساسية، وهذه القدرة كانت أوضح بالنسبةِ لغرونوي الذي يستطيع الشمَّ أقوى من غيره من البشر، والذي نمّاها من خلال اكتسابه مهنة العطّارين وصانعي العطور..
كان لدى الكاتب فكرة قويّة جدًا، إلّا أنني لم أكن بتلك الدهشة التي توقّعتها عندما كنت في الصفحات الأولى من الرواية، وربما كان لضغف اللغة السردية في الرواية دورًا في ذلك، فقد كانت لغة الكتاب مملةً نوعًا ما وأسهب الكاتب في الكثير من المواطن غير الضرورية مما جعلني أتوقّف أكثر من مرة لأخذ راحة كي لا يغلبني النعاس.. إلّا أنّ الكاتب تدارك الأمر في منتصف الرواية وبدأت مرحلة الإحماء بالنسبة لي، فقد أصبحت أحداث الرواية أكثر تعقيدًا وقوّةً، وتكشّفت نوايا بطل الرواية في صنع عطر خارق يجعل الجميع يحبونه، عطرٍ ملائكيٍّ يجعل كلّ من يشمّه يشعر بروح الإله متجلّيةً أمامه على هيئةِ شابٍ عادّيّ الملامح والهيئة.. إلّا أنّه كان بحاجةٍ إلى شيءٍ أكثر من روح الياسمين والأزهار لخلق هذا العطر الخارق، إلى روائحَ حقيقيةٍ يتم استخلاصها بطقوس مختلفة واختيارها بناءً على معايير غير مألوفة..
وفي مسيرة البطل نحو هدفه الأسمى، لم يكن يعنيه أيَّ شيءٍ آخر، لا الأكل، ولا الشرب، لا الحبّ، ولا حتى الجنس! وهذه جميع الأشياء التي تجاهلها الكاتب عنوةً كي لا يشوب تفكير البطل أيّ شائبة..
أكثر ما أعجبني في الرواية هو مشهد قوّة الرائحة، ولكم تمنّيت أن يكون المشهد الأخير في الرواية كي يكون آخر انطباعٍ عنّي ولكي أحفظ هذا الشعور معي كلّما تذكّرت هذه الرواية، لكن نهاية الرواية لم تكن بقوّة هذا المشهد، بل كانت نهايةً مخيّبةً للآمال وأقل دهشةً بكثير، إلّا أنها لا تزال رائعةً نوعًا ما..
الرواية بشكل عام تمنح القارئ انفتاحًا ذهنيًّا نحو حاسّة الشمّ، الحاسة الروحية التي يتجاهلها الجميع، وتجعله يهتم أكثر إذاما طالت أنفه أيّ رائحة، ويربطها بمعانٍ وجدانيةٍ مختلفة.. أنصح الجميع بقراءتها بإمعانٍ وتأنٍّ والتلذذ بكل سطرٍ فيها، ولقد سعدتُ بقراءتها كثيرًا..
..
#حمزة_عبدالله
#مذكرات_قارئ