الرواية كعمل أدبي فهي جيدة إلى حد كبير، لكن شخصيتها الرئيسة استفزتني بشكل خاص.
تتحدث الرواية عن شخص يدعى نويل، يعيش وحيدا منغمسا في حياة رتيبة، حياة لا يحدث فيها شيء يدعو للدهشة، تخلو تمامًا من أية مفاجئات، تخلو من الأصدقاء والأهل، ومن الأقارب، حتى روائح الأعداء في حياته معدومة، ولذلك يبدو بجلاء أن الجزء المخصص في مشاعره للحب والكره متوقف عن العمل، ربما قد تمكن من الإعجاب العابر أو من الإمتعاض اللحظي بأحد أو بشيء ما، بقدر لا يثير تفكيره لأكثر من دقيقتين .
وفي خضم رتابة أيامه الشبيهة بسيارة تقودها عجوز على مهل، يجد متشرد يجلس في الحديقة التي أعتاد صاحبنا أن يجلس فيها في أوقات الإستراحات، وقد تابع تصرفات هذا المتشرد بفضول كل يوم، لكن في أحد الأيام يذهب إلى الحديقة في وقته المعتاد ولكنه لا يجد المتشرد في مكانه، ثم يقلب عينيه فيجده في الناحية الأخرى يتبرز بالقرب من فتحة تصريف للمجاري.
يراه وقد خلع بنطاله وظهرت أمام عينيه مؤخرة بيضاء بلون الدقيق وقد خرج منها دفعة هوائية محملة بكمية من البراز الذي يقع أرضًا ويلطخ ملابسه وقميصه، اشمئز من المنظر وطفق يفكر -لاحقًا بعد أن عاد إلى غرفته- بالنعم التي جعلت له حجرة وحمّامًا عموميًا يجنبه الوقوع في ظرف مماثل يدعوه للتبرز في الشارع أمام الناس.
وأنا في رأيي الخاص، أجد أن نويل هذا يتشابه مع المتشرد، بل ربما كان الأخير أفضل حالًا منه، لأن الأخير لم يتحصل على ظروف معيشة أفضل، لم يتحصل على حجرة وسرير وحمام عمومي، تمكنه من ممارسة الحياة كأي مخلوق بشري يحترم نفسه، لم تتوفر لديه الإمكانات الأساسية للحياة أصلا، لذلك هو يستغني عن تكوين صداقات وإنشاء علاقات إجتماعية.
بينما بطل القصة حصل على وظيفة وحجرة وحمام، وبالتالي يمكنه أن يخرج إلى الشوارع ليقابل بشرًا يتعرف عليهم ويكوّن معهم صداقات ويدعو الناس للدخول في دائرة حياته البائسة، وهذا كرم مني إن أطلقت عليها ('حياة' بائسة)، بل الحقيقة أنها لا تعدو على أن تكون أكثر من كومة بؤس مطلق ينحشر ويتسع فيها.
أقول، أنه ليس هناك ما يمنعه عن الإندماج في صيرورة المجتمع، والذوبان بسلاسة في مكوناته وبين أفراده، أعرف الوحدة جيدًا، وأعرف العزلة كذلك، وأتفهم كل الأسباب التي تدعو إليهما، لكن صديقنا تجاوز المسميات، فوضعه ليس عزلة ولا وحدة، بل موت أقسى من الموت الذي نعرفه.
ربما أكون قد حملت الشخصية أكثر مما تحتمل، وقسيت عليها، لكن كل ما جاء في الأسطر أعلاه، كان استفزازًا مريرًا تحملته على مدى صفحات الرواية. وفي ختام الحديث، كره عميق دون شفقة، كره خالص لهذه الشخصية اللعينة.