هذيان، جنون!
كاتب هذه القصص إما أن يكون في أحدى نوبات الهذيان، ولا تعدو القصص بكافة تفاصيلها سوى ضرب من الجنون المُطبق.
وإما أن يكون هذا الكاتب في قمة العقلانية بمكان يستطيع معه أن يُحيك ما يريد التعبير عنه ولكن برمزية شديدة لا يستطيع أحد سواه فك طلاسمها فضلاً عن فهمها بأي شكل كان!
وهنا يجد قارئ هذه القصص نفسه أمام خيارين
ما بين الإعجاب الشديد حد الانبهار بهذه القصص، وبين الاستياء من فرط غرابتها وغموضها (وهو ما يفسر انحسار التقييمات بين الخمس نجوم بأنفاس متلاحقة مبهورة وبين نجمتين بشعور ما من السخف وعدم الفهم)، لذا بعد أن انهيتها بالأمس قررت ألا "أتطرف" في تقييمي لها.
فلا يدفعني شغفي بالأفكار المجنونة الخارجة عن المألوف للانبهار بشيء لم أفهم أبعاده كاملة بشكل صحيح بعد
ولا يدفعني نفوري من الرمزية والغموض إلى أن أبخسها حقها؛ وهكذا قررت أن أترك القصص تذوب في أعمق نقطة بداخلي ولم أخط عنها حرف مذ أنهيتها.
الآن وأنا استعيد تفاصيل القصتين، أرى أن القصة الأولى (المعطف) لم تكن تتطلب من جوجول مزيد من التوضيح لأنه حتى وإن كنا نبعد عنه مسافات من السنين فإننا نستطيع بلا جهد لا أن نفسر رمزيتها بل أن نشعر بها.
ذلك لأن طابع هذه القصص إنساني محض؛ تلك الإنسانية (المفقودة ربما) التي تشعر بها في كل جملة تقرأها في القصة على الرغم من رمزيتها، فالمعطف لا يعدو كونه رمز –مجرد رمز- لحلم بسيط يسعى إليه شخص ما.
ما أتفه الأشياء التي قد يموت من أجلها الإنسان!
لكن هذه الأشياء لا تستمد أهميتها أو تفاهتها من ذاتها أو مما هي عليه حقًا، بل ما تعنيه بالنسبة لذلك الشخص؛ من كونها الشيء الوحيد المتبقي له، الملاذ الأخير
شخص لا تربطه أي علاقة جيدة بالأشخاص، فقرر عقدها مع الأشياء
مجرد خيط واهيّ يجعله يشعر أنه على صلة بأي شكل كان بهذه الحياة
حتى لو كان هذا الخيط؛ مجرد معطف!
وبالرغم من أنني لا أستطيع الجزم بأن هذا ما كان يقصده جوجول حين كتب هذه القصة، وما إذا كان تأثير كتابالبنيوية وما بعدها: من ليفي شتراوس إلى دريدا وما يناقشه من نظرية الرمز وخلافه قد قام بالتأثير على تفكيري لكن على الأقل يبقى لديّ في النهاية تفسير ما حتى وإن كان مجرد تكهنات لا تعدو أن تكون وجهة نظر شخصية
وهو ما لم أستطيع الحصول عليه –أقصد التفسير بالطبع- في قصة جوجول الثانية التي يتضمنها هذا الكتاب وهي؛ الأنف.
وهي القصة التي تتلخص في (الرجل الذي فقد أنفه بلا أسباب واضحة ثم عادت له كما كانت بلا أسباب واضحة أيضًا! ومع الكثير من التفاصيل الأخرى)، هل يمكن من هذه الفكرة بالإضافة إلى ما قام جوجول بتصويره من عجرفة كوفاليوف (صاحب الأنف) واعتداده بنفسه أن نستنتج من هذه القصة شيئًا ما؟
كأن تكون هذه الأنف رمز لنوع من الكرامة والخيلاء بلا طائل
أم أن الأمر له علاقة بتلك المقابلات اللغوية في اللغة الروسية التي نقلها المترجم بين (الأنف، الأبله) أم أن الأمر يحتاج لدراية أكبر بروسيا في عصر جوجول وبباقي أدب جوجول نفسه كي نستطيع التفسير؟
رغم العبقرية الكامنة ها هنا، مازلت أشعر بالنفور من الكاتب الذي لا يحترم عقلية القراء (الأغبياء) أمثالي، الذين لا يستطيعون فهم الرمزية الخالصة (الرمزية في مادتها الخام) إلا حين يترك لنا الكاتب بعض الأشارات ليشير لنا إلى الطريق؛ من هنا...
لمَ لم يترك جوجول مثل تلك الأشارات؟ وحده يعرف!
كما أنه وحده يعرف تأويل قصصه الجنونية هذه.
تمّت