المشكلة الرئيسية في هذه الرواية ليس كونها مكتوبة بشكل رديء، وأن الحبكة ساذجة، تقليدية، ومتوقعة كثيراً، وليس لأنني شعرت من حين لآخر أن الرواية عبارة عن بروباغندا للسلطان محمد الفاتح -والادارة الاستعمارية العثمانية- اتخذت مساراً بالغ السوء gone very wrong. تبدأ الرواية بشكل جيد، تصف البيئة، والرعب الذي أحس به أورهان أفندي في طريقه لبوخارست عبر الغابات، وكذلك كان الكاتب سخيا في وصف المشاعر والتفاصيل، أعجبني كذلك التزلف الشديد والتبجيل الذي كان مخيما على نفس أورهان أفندي تجاه السلطان، وكون أورهان تركياً فقد بدا ذاك كله شديد الواقعية، تبجيله للسلطان، ووصفه له ولحكمه بأوصاف مثل النور والشمس والفردوس، وخلافه، كان ذلك جيداً جداً، ويجسد روح العصر وروح الشعب volksgeist, zeitgeist, لهذا الزمان. ثم بدأ السرد يختلج ويتداعى بالتدريج منذ مشهد المقابلة بين أورهان أفندي والسلطان وسكرتيره، منه كذلك أن الكاتب لم يعرف كيف يبث الحياة في شخصية الفاتح، ويخرجه من الأيقونات والصور التاريخية ليصبح لحما ودما، فالسلطان لا يزال شخصية "خرافية" كلي القدرة وكلي المعرفة، ولا تفوته فائتة، ويعرف كل شيء. الخ. فوصفه أنه يستنشق عبير وردة - نفس اللوحة الموضوعة للسلطان في صفحة ويكيبيديا عن فلاد الوالاشي! : **** كان هذا طريفاً كأن الرواية كتابا مصوراً لقصة فلاد. ايقاع السرد انهار وسقط وذلك حين قتل الخصي دنيز في قلعة رادو سريعا جدا، دون مقدمات ولا تمهيد، هذه الرواية لو كانت تنوي بناء جو من الرعب الميتافيزيقي-التاريخي فأنه يلزم للكاتب أن يبذل مجهودا أكبر من ذلك، في التشبع بالبيئة "الروملية"، وفي حشد المزيد من الشخصيات من البيئة المحلية، وفي المزيد من مشاهد التيه والبلبلة والضياع، فقد ذهب أورهان أفندي في مهمة محقق، وعليه، فقد ذهب وهو يعلم بعض من تفاصيل "الهول" الذي ينتظره، وكان حرياً بالكاتب أن يستفيد من هذا الشحن النفسي والعصبي ويمط، كثيرا، في التفاصيل البيئية، وفي عمق شخصيات البسطاء من الناس، لقد تخيلت أن فقر هذه المناطق- بوخارست- في حد ذاته مرعباً، وكان ذلك ليحطم أعصاب البطل أورهان أفندي أكثر (نظرا لكل الامتيازات والرفاهية التي يتمتع بها) دون أن يدمر الكاتب حبكته الأساسية باستعجال موت الخصي دنيز - لم أعر اهتماما- أو انزعاجا كبيرا لوصف الكاتب له على لسان أورهان أنه لديه فضول "أنثوي" تكون لديه بعدما فقد ذكورته. ولكن فيما بعد اكتشفت مدى قصور رؤية الكاتب - الذي يعد خطرا اذا أراد كتابة رواية تاريخية تدور في بيئة متعددة الاثنيات مليئة بالنماذج البشرية غير المألوفة -فيما بعد فإنه من جديد يكتب المزيد من المشاهد "الويكيبيدية"، فتصف شيلا الغجرية نفسها بنفس الأوصاف التي يوصف بها الغجر - أو مكتوبة عنهم- في الموسوعات العلمية أو الأنثروبولوجية، وقد نفرني هذا الوصف الأنثروبولوجي الذي يصفه غجري لنفسه، بدلا من أن يحكي قصته الذاتية. هذا غير أن الكاتب بدا لي عاجزا عن كتابة شخصيات غجرية أصيلة - أو شخصيات نسائية أصيلة- فهو قد اعتمد في بناء شخصية شيلا - ليس حتى على شخصية ازميرالدا في كتاب فكتور هيغو- إنما على شخصية ازميرالدا في الفيلم الذي مثلته سلمى حايك. فنفس الموقف يتكرر، ولا ينقذ غرينوار الشاعر من قبضة الغجر إلا حين تتقدم ازميرالدا/شيلا لتخبرهم أنه "لها".
سخافة الحبكة لم يعوضها وجود شخصيات جيدة، فكانت الشخصية أردأ من الحبكة ومن ايقاع السرد "الواقع"، فالنصف الأخير من الرواية كان عبارة عن مونولوغات مكتوبة بطريقة تيار وعي لا تناسب روية "أكشن" ورعب تاريخي. وهنالك مونولوغات الأخوين التي كانت عبارة عن "ردح عابر للقارات" موجه للسلطان العثماني. ليس ثمة شخصية تملك "صوتها" الخاص، فأورهان أفندي يستخدم نفس التعبيرات التي تستخدمها الغجرية، وتلك تستخدم نفس التعبيرات التي يستخدمها حكماء الغجر من العجائز, الخ. وقد كان الكاتب عديم الحيلة لدرجة كتابة السطور التي بالغة الرومانية بالأحرف اللاتينية، فنحصل على صفحة رواية تظهر بها أحرف عربية أحرف لاتينية، طيب ليه؟ والرواية أصلا عربية موجهة لقراء يقرؤون العربية، لن يلتفت أحد من القراء للأسطر الرومانية. أفهم أن ذلك كان سببه أن الكاتب يريد أن يظهر لنا كيف هؤلاء يتكلمون لغة مختلفة عن أورهان أفندي. ولكن الطريقة كانت سخيفة ومبالغ فيها.
المشكلة الرئيسية التي حيرتني أن الكاتب كان بامكانه أن يخلق شخصية بطل جيد، أعني، بطل يجتذب القارئ ويجعله متعاطفا معه، قلقا على مصيره، خاصة أن الكاتب سوف يحتاج هذا للوصول للكاثارزس المبتغى نظرا لخاتمة الرواية المأساوية، ولكنه لم يفعل، بل بالغ أحيانا في خلق شخصية واحد "معفن جداً"، أورهان أفندي اجتمعت فيه خصال الوضاعة، والضعف، والجبن، والخسة، والقسوة والبرود واللامبالاة، والأنانية، والترف. الأسوأ أن الشخصية لم تمر بنضج نفسي، ولم تتحول بنهاية الرواية، بل ظلت على نفسها وضاعتها، قد يمثل ذاك الندم والبكاء الذي أبداه أورهان أفندي بعد موت دنيز الذي كان يعامله باحتقار والذي قد أهانه قبل موته بقليل، ربما، نوعا من التطور النفسي للشخصية، ولكن مع ذلك، فكأنما الكاتب كان مصراً على التنكيل بشخصية بطله، أظهره في ندمه هذا سخيفا، "طرياً" وضعيفا، ليس فيه أي نبل، شحصيا، ليس لدي مشكلة مع شخصيات الرجال الذين يبكون في الروايات، ولكنني أستغرب ردود الفعل المماثلة من شخصية ميزوجينية بالأساس، أي أنه يتخذ موقفا ذكوريا من العالم، فهو يطلب من دنيز أن يحضر له "جارية" موغلا في اذلاله بعلته، ولا يمر النصف الأول من الرواية سوى أن يـscore بطلنا مع الشخصية النسائية الوحيدة في الرواية، شيلا، التي جلبها الكاتب كي يأخذ البطل مزاجه, وكذلك كي يشعر بالمزيد من الطعنات في رجولته، ثم لا يستعيد كبرياؤه إلا حينما يراها تذل وتهان على يد الأخوين في النهاية - ولا يحرك ساكنا ليرد عنها الأذى- بل يشاهدها ويقول لنفسه "هييه أخيرا بتصوت وتلطم وتبكي زي الولايا نياهاهاهاه"- لا بأس في هذه الشخصية القبيحة، أورهان أفندي، ولكنني أستغرب لأنه شخصية شهيد، فالقاعدة الأولى كي تجعل بطلك شهيدا يصل بالقارئ إلى ذروة الكاثارزس - التطهير الدرامي، أو التنوير- فيجب أن يكون شخصية يتعاطف معها ويهتم لأمرها، ولكني لم أفعل، ولم أهتم لشأنه أبدا، وكأنما بهذا دق الكاتب المسمار الأخير في نعش روايته، فليس ثمة شخصية "تنحب" ولا حبكة شيقة، ولا مشاهد ممتازة، ولا أي حاجة.
بخصوص الرعب، يعتمد الكاتب على مقترب من الرعب الرخيص أو المعوي، الـgore،فالهول كله في الوصف الدقيق والغرافك لعملية الخوزقة، والذي لا يقدم فائدة ولا اضافة درامية أو جمالية تُنتظر من عمل روائي.
الطريف أنني قرأت الرواية في فترة كان يحاول فيها أحدهم اقناعي بأن الخلافة العثمانية لم تكن "احتلالا"، وقد شعرت في هذه الرواية بنفس النبرة "الاعتذارية" عن الارث الاستعماري العثماني، ذاك، غير أن هذه الرواية تنتمي بلا شك لحقبة الطفح التركي، والافتنان التركماني وهكذا. ففي الايغال باظهار وحوشية "الكفرة" من الروملية وحكامهم وشياطينهم ما يبرر تصرفات السلطان العثماني ويجعل الوجود العثماني - المسلم- في هذه الأصقاع نوع من "الرحمة"، كما يحلو لأورهان أفندي أن يصفها، وقد تذكرت عبارة سلطان آخر، أعني سلطان السكري، اذ يقول "دا احنا بنشقى ونتعب معاهم يابا".