ماذا لو استيقظت من النوم ولم تجد أنفك معلقة في مكانها الطبيعي ؟ هذا مايقصه علينا غوغول بفنتازيا خيالية في غاية الروعة والبساطة، المفاجأة تذهل الملاحظ كوفاليوف، يفتقد مكانته الاجتماعية وكبريائه الخاص باختفاء شموخ أنفه أكثر من حاجته لحاسة الشم. يشتكي حاله للرب :
“ياربي.. ياربي! علي أي شيء هذه البلوى؟
لو كنت بلا يدين، أو بلا رجلين لكان ذلك أفضل، لو كنت بلا أذنين لكان أهون رغم بشاعته، ولكن أي شيء إنسان بلا أنف. لاهو طائر يطير، ولا هو مواطن بين المواطنين!
يصادف الملاحظ أنفه المفقود في الكنيسة متنكراً في هيئة مستشار عالي الرتبه يغشى تعابيره الورع، الطبيب يقترح بيع الأنف بمبلغ محترم بعد حفظه في قارورة الفودكا والخل، كوفاليوف بالأنف مرة أخرى يعود إلى سابق عهده وتعاليه.شبح الأنف يطارد الناس في الأماكن العامة وأوهامهم المتصاعدة، تنتهي قصة الأنف بسخرية غوغول من هذا النوع من القصص ومؤلفيها ومدى فائدتها للشعب !
في قصة المعطف يلخص الكاتب شخصية الناسخ وصاحب المعطف في هذا الوصف : “ينبغي أن نعرف أن أكاكي اكاكيفتش كان يعبر عن أفكاره في أغلب الأحوال بحروف الجر والظروف وأخيرا بالأدوات التي ليس لها أي معنى على الاطلاق.
أما إذا كانت المسألة صعبة جدا فقد كان من عادته ألا ينهي الجملة أبدا. ولذلك كان كثيرا ما يبدأ حديثه بهذه الكلمات:
“هذا في الواقع.. يعني تماما..”
همّ المعطف الجديد ومشاكله يُغيّر من حال أكاكي اكاكيفتش للنقيض، بعد أن كانت حياته رتيبة وأيامه تشبه الحروف التي ينسخها نُسخ مكررة ومتشابهة، الجنرال الذي ينهي حياة صاحب المعطف بهيبته المفترضة لمنصبه، يظهر أيضاً مرتبكاً برتبته الجديدة ويحاول التلائم معها ولكنه يكتسب لقب أضجر إنسان.
الرمزية في قصتي الأنف والمعطف جميلة جداً،تبدأ بنظرة الإنسان لنفسه والمبالغات التي يضيفها أو يسلبها من حجمه الحقيقي، وتمتد لتشمل مجتمعات بكاملها أو مبادئ وأفكار يلزمنا معها تحذير مشابه لما يكتب على مرآة السيارة الجانبية لرؤية أكثر واقعية.
قرأت نسخة الأنف المنشورة في المكتبة الروسية ترجمة د.أبوبكر يوسف، الترجمة جيدة إلى أن يتفاجأ ذلك الروسي في موسكو ويقول: ياخبر أبيض! وجدت ترجمة المعطف أفضل. نُشر في بداية نسختها الإلكترونية اسماء المترجمين ومنهم غائب طعمة فرمان وأبو بكر يوسف. هناك أيضاً ترجمة حديثة لمحمد الخزاعي.
المعطف والأنف كانت باكورة قراءات صالون الأدب الروسي، الصالون خطة قرائية جاهزة لمن يود الاستزادة من هذا الأدب الرفيع والغني عن التعريف. الشكر والامتنان للقائمين على الصالون ومرتاديه.
المراجعة بروابط إضافية على المدونة :
****