القراءة الاولى 2024
.القراءة الثانيه 2026
التائهون
أمين معلوف
دار الفارابي للنشر والتوزيع
عدد 500 صفحة
نشر عام 2013
الكتاب رقم 20 من العام 2026
كيف نتعامل مع وطنٍ كسر أحلامنا ثم عاد ليطالبنا بالحنين إليه؟
في التائهون استلهم فترة شبابي بتصرف شديد. فقد عشت تلك الفترة مع أصدقاء كانوا يؤمنون بعالم أفضل. ومع ان لا شبه بين أبطال الرواية وبين أشخاص حقيقيين، فهم ليسوا من نسج الخيال تماماً. فلقد نهلت من معين أحلامي وحسراتي بقدر ما نهلت من معين ذكرياتي
يثير غيظي للغاية أولئك الذين يسألونك وفي عيونهم هلع مصطنع:"أتصدر على حكماً؟" أجل بالطبع أصدر عليكم حكماً ولا أكف عن الحكم عليكم. ولكن الأحكام التي أصدرها لا تؤثر في حياة المتهمين. أمنح احترامي أو أسحبه، أحدد جرعة دماثتي، أعلق صداقتي بانتظار الحصول على المزيد من القرائن، أبتعد، أقترب، أنتحي جانباً، أمهل، أعفو عما مضى أو أتظاهر بذلك ومعظم المعنيين بالأمر لا يتنبهون حتى لذلك.
هل يمكن لصوت قديم أن يفتح بابًا أغلقته الأعوام؟ وهل يستطيع نداء واحد أن يعيد الإنسان إلى وطن هجره خوفًا أو بحثًا عن معنى؟
هكذا تبدأ رحلة الرواية في قلب القارئ ليس من ضمن الصفحات، رحلة تبحث عن الهوية والصداقات والوجع الذي يرافق المنفي إلى أي أرض يطأها، الرواية عمل أدبي يمزج بين السيرة الذاتية والخيال، ويعكس في عمقه سؤالًا واحدًا لا يهدأ: كيف نتعامل مع وطنٍ كسر أحلامنا ثم عاد ليطالبنا بالحنين إليه؟
رواية التائهون لأمين معلوف تتشكل من ستة عشر يومًا وتحكي فيها ومن خلالها ذكريات الأصدقاء فقط
لكنها أيام وذكريات تكفي لفضح وجع جيل كامل ضاع بين الحرب والهجرة، يعود آدم إلى لبنان بعد اتصال مفاجئ يخبره بأن صديقه مراد يحتضر، يعود بعد غياب طويل ليجد أن الموت سبقه إلى الصديق وأن الماضي ينتظره بقلق ثقيل، هكذا تتكشف حكاية الأصدقاء التسعة الذين كانوا يحلمون بعالم أفضل قبل أن تذريهم الحرب في أربع جهات الأرض، هذه العودة تشكل محور ملخص رواية التائهون أمين معلوف بكل تفاصيله.
هل ينتمي الإنسان إلى الأرض التي ولد عليها أم إلى الأرض التي اختارها؟ يتنقل السرد بين هذه الأسئلة بعمق موجع، يعيش أبطال الرواية بين رغبة البقاء ورغبة الفرار، منهم من بقي وتلطخت يداه في دهاليز السياسة ومنهم من هاجر وحمل وطنه كجرح لا يندمل، في هذه المفارقة ينسج معلوف تأملاته حول الهوية والانتماء، هنا تظهر الإشارة إلى رواية التائهون ويكيبيديا بما تقدمه من تعريفات أولية عن العمل ومساره.
كانت الصداقات في شباب الأبطال مثل وعد بالنجاة، ومع الحرب تغير كل شيء، نعيم اليهودي يرحل بصمت، بلال يموت برصاصة عشوائية، رمزي يترهبن في صومعته، ويبقى آدم سائرًا بين المنافي، هذه الصداقات تنكسر ثم تعود في محاولة أخيرة للترميم عبر لقاء دعا إليه مراد قبل موته، في هذا المشهد تتجلى اقتباسات من رواية التائهون بما تحمله من حزن وتأمل، يشبه كل صديق قارة بقيت معلقة في ذاكرة آدم لا تزول.
الرواية ليست مجرد سرد لحكاية أصدقاء، إنها مرثية لجيل كامل ضاع بين الحرب والمنفى، تظهر الرواية كيف يمكن للحياة أن تقود الإنسان إلى طرق متنافرة رغم أنهم بذءوا من الحلم ذاته، بهذه الرؤية تقدم الرواية درسًا حول الهوية والانتماء والزمن، وفي النهاية يبقى الضياع هو قدر الإنسان لكن الصداقة تمنحه نافذة يبصر من خلالها ما تبقى من ذاته، حيث تنقلب العودة إلى لبنان إلى بحث موجع عن الذات، يرغب آدم في جمع الأصدقاء المتناثرين لكنه يصطدم بحقيقة أن الزمن فعل فعله فيهم جميعًا، وتحمل النهاية إشارة رمزية بالغة حين تنقلب السيارة ويدخل آدم في غيبوبة طويلة، كأن الوطن نفسه غارق في غيبوبة لا يعرف متى يفيق، بهذه الصورة يختتم معلوف روايته تاركًا القارئ أمام سؤال كبير حول مصير الشرق، ومع أن الرواية يمكن الوصول إليها عبر تحميل رواية التائهون فإن قراءتها على الورق تتيح معايشة حالة الضياع بعمق أكبر.
التائهون، كان اسماً مناسباً جداً، يخيّل إليك للوهلة الأولى أن معلوف يقصد بهذا الوصف أبطاله الأصدقاء التسعة الذين فرقتهم الحروب والثورات ليتيه كل منهم في حياة جديدة لمدة ربع قرنٍ لا يلتقون فيها على الإطلاق، ولكن يتبيّن لاحقاً أن التائهون هو وصف ينطبق على البشرية جمعاء في وقتنا الراهن، نخص بها العرب المشرقيين على وجه التحديد، الذين انسلخوا عن ماضيهم العريق ليغرقوا في الضياع وينزلقوا إلى القاع بشكل يثير القهر أكثر مما يثير السخرية.
لقد وضع الكاتب يده على الجرح العميق في عروبتنا، إنه السبب الدفين الذي فرق شملنا وفكك وحدتنا، إنها الانتماءات، إذا جاز التعبير، وكل ما يلحق بها كالقومية والأممية والطائفية وجملة الانتماءات الدينية والطائفية والحزبية، تلك التي لم تكن بحد ذاتها مشكلة ولكن عدم قدرتنا على احترامها وتقبلها واحتوائها كانت المشكلة الحقيقية، ومحاولاتنا لفرض انتماءاتنا على الآخر، فمن هنا بدأ الصدع وأخذت أرضيتنا بالتفكك
هكذا إذاً.. عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، وأحرقت معها أحلام الكثير من الشباب اللبناني، ومنهم شلة الأصدقاء او البيزنطيون كما كانوا يسمون أنفسهم، وهم الذين كانوا يحلمون ببناء وطن عصري حديث، وحولهم تدور أحداث الرواية. الرواية قسمت فصولها حسب أيامها، فهي توثق ستة عشر يوماً في لبنان من حياة الكاتب، الذي اسمه آدم الذي هاجر من لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي إلى فرنسا، حيث تتصل به صديقته وزوجة صديقه الذي انقطعت العلاقة بينهما، بعد أن أصبح صديقه مراد رجل سياسة ثرياً من مال الفساد، لتخبره أن مراد يحتضر على فراش الموت، ويريد أن يراه قبل أن يسلم الروح إلى بارئها، على الفور يلبي آدم رغبة صديقه ويحجز في أول طائرة إلى لبنان، إلا أن الموت يعاجل صديقه مراد في ذات الليلة التي وصل فيها آدم إلى لبنان، وهنا تتولد لدى زوجة مراد فكرة، جمع الأصدقاء القديمين في جلسة، وهو ما يحاول آدم فعله طوال أيامه الست عشرة.
صحيح أن الأصدقاء تاهوا في الأرض، ولكنهم حافظوا على أكفهم نظيفة، في حين من بقي في البلد، لم يستطع ألا يلوث يديه بطرق التعامل القذرة السائدة في بلادنا، وهنا تدافع زوجة مراد عنه "أولئك الذين بقوا لطخوا أيديهم كي يحافظوا من أجلكم على وطن، كي يتسنى لكم أن تعودوا إليه يوماً، أو على الأقل أن تزوروه بين الحين والآخر".
أصدقاء تشردوا في أصقاع الدنيا بعد أن كان يجمعهم وطن صغير يسمى لبنان، وهم من كل المذاهب والأديان، حتى بينهم اليهودي، كنوع من التطبيع الثقافي! تنجح عملية لم الشمل للأصدقاء يأتي كل المسافرين، ولا يبقى إلا المهندس الذي ترهبن، فيقرر آدم أن يذهب بنفسه لإحضاره من الكنيسة، وفي طريق العودة تنقلب السيارة فيموت السائق والراهب، فيما يصاب آدم بجروح بليغة دون أن يستعيد وعيه، وكأنها إشارة إلى شرقنا الغائب عن الوعي، في خاتمة حزينة، كأغلب خامات.
رواية الأيام الست عشرة يحاول من خلالها معلوف أن يخرج من قالب رواياته التاريخية كليون الافريقي، وصخرة طانيوس وسمرقند، وفي ثنايا الرواية وحواراتها يحاول أن يجاوب على الأسئلة الوجودية وأسئلة الهوية، وهي لا تخرج عن نهج معلوف المؤرخ القلق على مستقبل الوطن العربي، بل والعالم والمدرك تماماً لخطر صراع الإيديولوجيا والهويات، فيقول في المذكرات التي يكتبها آدم، إنه لطالما شعر أن اسمه وإن كان يشير إلى بداية الخليقة، ولكنه يشير بذات الوقت إلى نهايتها كحال الإمبراطور الروماني قسطنطين، الذي ابتدأت به الامبراطورية، وانتهت بقسطنطين آخر.
استرجاع الذكريات لشلة من الأصدقاء، ومحاولة لَمّ الشمل، لأيام معدودة، لم يكتب له أن يكتمل.. وكأن ما شُتت وكُسر، لا يمكن أن يجمع بناء على رغبات فردية، إذ يستطيع المرء أن يتخيل شخصًا يواجه كل لقاء، بإحساس بهويته، يقوم على الجوهر المنفصل، والتأمل النقدي لهذه الهوية، ودائمًا ما يكون لاكتراثه واهتمامه بهم، طابع شخصي، يعكس فرديته. وهنا، لا بد من الإشارة، إلى أنها قد تكون، من أقل روايات معلوف مخزونًا معرفيا، وحشدًا للمعلومات المتراصة، تاريخية كانت، أم معاصرة. مقارنة مثلًا برواياته الأخرى وخاصة سمرقند المثقلة بالمخزون المعرفي التاريخي. لكن، يبقى ل التائهون نكهة خاصة، لأنها استلهام ذاكرته، وفي ظني، أنها قد تكون إرادته في التحدث، عن هوية وانتماء أراد تحديدهما، كما في كل نتاجه الروائي، أو غير الروائي، ككتابه «الهويات القاتلة»، في محاولات دؤوبة منه لتصالح الحضارات، خصوصًا تجاوز لعنات الطائفية والتسلط والقمع والقهر باسم الدين، الذي هو براء من كل المجازر التي تُرتَكب باسمه.
أخفقت شخصيات الرواية على المستوى الوطني والكوني بتغيير شامل أو جزئي، في تحقيق الطموحات والقضايا المشتركة بالتعايش السلمي والأمان والاستقرار، ونبذ الولاء الطائفي، انتقالًا إلى الولاء الوطني لان الانغلاق كان اكبر
كذلك، توضحت في رواية معلوف جدلية التقدم والانهزام، إذ يقول على لسان إحدى الشخصيات: «أردتُ لهذه المنطقة أن تتطور وتتقدم وتنتقل إلى الحداثة، ولم أصادف سوى الخيبات. فباسم التقدم والعدالة والحرية والأمة والدين، لا يكفون عن إقحامنا في مغامرات تتحول إلى كوارث في نهاية المطاف. إنها صرخة عالية الصوت على رفض الاغتراب السياسي والاقتصادي، «حيث يأخذ الاستغلال سمة القانون الطبيعي، أو حيث يصبح القانون أداة تبرير الاستغلال، (كما حصل مع انغماس تانيا ومراد في السلطة القائمة) وبذلك تكون الدولة أداة قهر الفرد وكبح تفتحه، وهو الذي تدعي تمثيله»، من هنا كانت ثورة آدم على الطبقية في المجتمعات العربية، وتاليا، ثقافة الانهزام والانكسار. أما على مستوى الاغتراب الأيديولوجي، الذي يقوم في مستوى الوعي، فحذر آدم، من القيام بثورات، بناء على «وعي مغترب»، لذلك كان ينادي أن «على دعاة الثورة الإثبات سلفًا بأن المجتمع الذي سيعملون على إنشائه، سيكون أكثر تحررًا وإنصافًا وأقل فسادًا من المجتمع القائم حاليًا» (التائهون). وهو ما ينطبق على المنفى زمن القياصرة بالمقارنة مع المنفى في الحقبة السترلينية، يكاد يشبه المخيم الصيفي»، إشارة منه إلى خطر التحولات بين الواقع والمرتجى.
إنه الخوف الدائم عينه، مما يبدأه التقدميون، ورافعو لواء الثورة والتغيير، ومن ثم تلقف المحافظين، لهذه الثورات، وتسلمهم السلطة، ومن ثم الانغلاق والانهزام مجددا في معاداة كل ما هو خارجي. كذلك تظهر الرواية التحولات التي أصابت الشخصيات، من شخصيات تفاؤلية تقدمية مناضلة، إلى شخصيات تستشرف التخلف الحاصل والشعور بالانهزام والانكسار، وعدم جدوى الثورات التي تقحم الدين بما هو منها براء، والتي تقدس العنف وتُرتكب باسم الشعوب الذين يرون أنفسهم لاحقًا بلا وطن












