لم أتخيّل، ولا في أسوأ كوابيسي عن البلاد، أن يلفتني يومًا، عنوان في قائمة 'إضافات جديدة' على أبجد، أفتحه، لأجدها، في الإهداء، مرثيّة وبكائية، نجمتنا التي من ذكريات، تنبض بين أوقات ملبّدة بالرّماد..
'إلى ذاكرة مدينة في صدري .. اسمها غزّة'..
واصلت القراءة، فضولًا، بلا أي توقّعات، بكامل اللاوعي، وبنسيان لقراري الحالي بألا أقرأ ولا أكتب شيئًا/أدبًا عن هذا الوجع الذي فوق الكلام، ولا عن الحروب، وجدّتني أتحسّس أدمعي بعد حين، وقد وصلت إلى قول الشّاعر الغزّيّ -حينها تذكّرت أن أعود للغلاف لأتبيّن هويّته-:
❞ هَذِهِ شَهَادَةٌ شَخصِيَّةٌ
عَن بِلَادٍ مُهشَّمَةٍ
لَم تَجِد وِسَادَةً وَاحِدَةً
لِرِعَايَةِ الأَحلَامِ
فَلَجَأَت إِلَى وَسَائِدِ الكِنَايَةِ
كَي تَحيَا وَحِيدَةً فِي فَضَاءٍ جَرِيحٍ… ❝
أكملته ببكاء عن سنين، ولن أنصح الغزّيّين بقراءته، لأنّه شعرٌ قاس علينا أكثر من سوانا، نحن الذين تمثّلنا سطوره ولن نلجأ لجوجل لنتعرّف على الأماكن التي بين علامات تنصيص.. يحاول الكاتب أن يضع المدينة القتيلة على رفوف المكتبات، ويحفظ ذكرها بالكناية. محاولة للرّثاء، ولتأريخ الفاجعة المستمرّة، بلسان أبنائها، وهو استعانة بالكناية لوصف بشاعة الموت الذي صيّر المدينة قبرًا، وأورثنا حياة النّاجين من الحرب، ظلالًا لها أجساد، يمشون في الحياة التي لن تكون، أبدًا، بديلةً عن الأحلام والمنى، والتي، لن، يجعلها الوقت، مستساغةً ولا هيّنة، ولن تستطيع لغة أن تقارب وصف مآسيها، مهما حاولت. وهي شهادة مكتوبة بالدم ورماد الأنقاض على جبين عالم تصالح مع الإبادة في زمان الحداثة والقرية الصغيرة/الأكذوبة، نعرف أنّه مثل كلّ الكتب والدواوين عن الحروب، ربما، تهوّن عن أصحابها، إذ يحكون حكايتهم وحكاية موتهم، ليتوجّع غيرهم معهم، ولئلا ينام الجرح، لكنّه كما قال فرانك بايس:
"ليس بقادر على انتزاع الأطفال من بين أسنان الموت. ولا عظمة من عظامهم. ولا حتى فردة حذاء."
