اسم العمل: ابنة هابيل
الكاتبة: سارة البدرى
عدد الصفحات:388(أبجد)
صادرة عن:الرواق للنشر والتوزيع
التقييم:⭐⭐⭐⭐⭐
حين أغلقت الصفحة الأخيرة من الرواية ، لم أكن أبحث عن ملخص لأحداثها، بل كنت أشعر بتشويش يملأ رأسي، ليس تشويش الحيرة، بل تشويش التأثر.
كيف استطاعت الكاتبة أن تصف هذا الكم من المشاعر المتخبطة؟ كيف استطاعت أن تكتب ما يجول في دواخلنا كبشر بهذا الصدق، وهذا "الهدوء العاصف" الذي يتردد صداه في أعماقنا؟
إنها لا تحكي مجرد أحداث، بل تشرح النفس البشرية في حالاتها الأكثر ضعف وانكسار، وفي لحظات شموخها وترفعها في آن واحد، هذا التضاد المبهر هو الذي يجعلها مرآة نرى فيها أنفسنا.
تتجلى عبقرية سارة البدري في قدرتها على بناء شخصيات هي في جوهرها "انعكاس" لنا؛ حيث الصراعات ليست خارجية فحسب، بل هي حروب دائرة في صمت:
🪐رقية : "الأنثى الكاملة" التي تهرع إليها العيون مبهرة، ناجحة، وقوية ، لكن خلف هذا البريق يوجد خليط معقد من القوة والضعف، رقية لم تكن صامتة لأنها لا تملك كلام، بل لأن صمتها كان وسيلة للترفع والشموخ أمام جروح ترفض البوح بها، فهي تمثل الوجه الذي نضطر لارتدائه لنبدو صلبات بينما تتهاوى أرواحنا من الداخل.
🪐جوري: تمثل "المراهقة" بمعناها العميق؛ تلك المرحلة التي نحاول فيها البحث عن ذواتنا في فضاء واسع، ممزقين بين الرغبة في الاستقلال وبين تأثير الأم الذي يلاحق خطواتنا
تجسد التخبط الذي نعيشه عندما نجد أنفسنا فجأة في مواجهة عواصف الحياة دون دليل يرشدنا لنعرف من نحن.
🪐صفية: الاخت الفاضلة المتدينة التي تبحث عن الأمان في العقل والنصح، تجسد صراع آخر؛ هل هي العاقلة الناصحة التي تملك الإجابات، أم أنها مجرد إنسانة تحاول جاهدة مواجهة عواصف الحياة وتحديات بناتها التي فاقت توقعاتها؟ لكن الحياة تضعها في اختبار قاس: هل العقل يكفي لمواجهة عواصف الأبناء وتغيرات الزمن؟ أم أنها أيضاً ضحية لمشاعرها التي تحاول قمعها خلف قناع الحكمة؟
مع كل صفحة كان اسم الرواية "ابنة هابيل" يتردد في رأسي كصدى لقصة قديمة.. هل كانت الكاتبة تعني ذلك الصراع الأزلي؟ لكن هنا الصراع ليس دموياً، بل هو صراع القلوب "صفية ورقيه".. أختان من رحم واحد، لكن بينهما مسافات شاسعة، صفية بجمالها الهادئ، ورقيه بذكائها المبهر الذي جعلها الابنة المفضلة في نظر الأم، هنا تجسدت مأساة الأخوة حين تقتحمها المقارنات والظنون؛ فتشعر صفية بمرارة الغيرة وتنافس خفي لا يظهر على السطح، بينما تعيش رقية ثقل هذا التميز، برعت سارة البدرى في تصوير كيف يمكن للقرب أن يولد جفاء، وكيف يمكن لبيت واحد أن يضم كل هذا الحب والغيرة في آن واحد دون أن ندرى، إن قصة هابيل الأولى لم تنته أبداً، بل تعيد إنتاج نفسها في تفاصيل حياتنا اليومية البسيطة والموجعة."
ما أثر داخلى التأمل هو ذلك الجانب الإنساني الموجع في علاقة الأهل بالأبناء، فالرواية تضع إصبعها على جرح غائر؛ كيف يمكن لتمييز غير مقصود، أو تفضيل طفيف بين الأخوة، أن يزرع بذور الغيرة والتباعد في قلوبهم؟ وكيف أن غياب التوجيه أو فقدان مساحة الاستماع الجيد يترك الأبناء في حالة من الحيرة والتخبط، باحثين عن ذواتهم وسط ضجيج التوقعات، لقد أظهرت لنا الكاتبة أن الخطيئة ليست دائماً أفعال جسيمة، بل قد تكون في نظرة أو كلمة أو حتى صمت كان يفترض أن يتبعه احتواء.
🧊 رأيي الشخصي
استطاعت الكاتبة أن تكتب بصدق يلامس وجداني،استخدمت لغة تجمع بين الرقة والشدة لتروى حكايات عن كل فتاة، وكل امرأة، وكل إنسان حاول أن يجد لنفسه مكان وسط العواصف، وظل يكبت جراحه بصدق ليحمي كبرياءه.
"ابنة هابيل" ليست رواية عن أخطاء البشر، لكن عن "محاولة النجاة" أسلوب سارة البدري في تصوير "التضاد" بين الانكسار والشموخ، وبين التدين والحيرة جعل من النص تجربة إنسانية عامرة بالمشاعر،الجروح ،الخيبات، والشتات
رحلة في دهاليز النفس التي لا تجرؤ على الحديث عن نفسها
لقد علمتني درساً قاسياً بقدر ما هو صادق: أن حياتنا تبدو دوماً براقة من الخارج، بينما الداخل عالم آخر تماماً، نحن نرتدي قناع القوة لنواجه العالم، وننتظر تلك اللحظات المنفردة بأنفسنا لكي ينهار هذا القناع أخيراً، تاركاً إيانا أمام وجهنا الحقيقي.. وجه مشتت وتائه عن نفسه.
أرشح هذه الرواية لكل من يبحث عن قراءة لا تمر عبر العقل فقط، بل تسكن الروح طويلاً بعد انتهائها.






