ضريح أنا أخماتوفا
تأليف
حسن نجمي
(تأليف)
تلمس مجموعة حسن نجمي الشعرية ذلك المكان القريب في الروح الذي نبعده عنا اليوم كلَّه، حيث تسكن فكرة الحقيقة الوحيدة، الموت. هذه التجربة الإنسانية التي لا نقدر على أن نعيشها، لكننا نفكر فيها. والشاعر يعيش داخلها ويحولها إلى حياة أخرى، حياة كبيرة تتسع كلما ضاقت ظاهرة الموت تقربنا منها.
في هذه القصيدة، الموت خيط رفيع يخلق انسجاما بين أبعادها. الموت هنا يغير من جلده ويتسلل إلى التفاصيل كلاما تارة وصمتا تارة أخرى. لأن فكرة الموت هي حدود الشعر، بل وفشله ونهايته. غير أن نجمي هنا يحولها إلى تجربة قد نسخر منها، نتهيب من "تابوتها"، ومن ثَمَّ جاء الديوان على شكل خمسة فصول سردية تحكي فكرة الموت وتحولاتها رغم أن جوهرها يظل هو نفسه : «كجثة طفلٍ ألقى بها البحر، بالقرب من الحياة، مرايا، المستشفى العسكري، وقصائد الكاريبي».
القصائد تستهل الموت بعين الطفولة التي تغطيها السماء : « حين ألقى به البحر، تلك الليلة صغيرًا بريئًا فارغًا من العالم، بقي هناك، على الرمل، وحيدًا في الليل كما لو كان يتذرع بالصمت ليواسي جثته الصغيرة،/ الطفل السوريّ الكرديّ الذي رحّبت به الطحالب وأعشاب البحر، ونسيت النجوم أن تضيء وجهه فغطّاه الغيم والرعب والليل./ ولم يكن يعرف ـــ هل نسيه الله أم أراده؟».
لكَم نحن في حاجة إلى شعر يصالحنا مع الموت، ومع فكرته خصوصا. نواجهها، نعيشها قبل أن تظفر بنا، فلا نهابها، لا نخافها بل نجابهها كفكرة لا بد أن تأتي، لأن "الموت، عاطل عن العمل"، وحدها الحياة مخيفة، تعدّ جنائزنا، ونعبرها "كالوميض".
منير السرحاني